نبذه عن البردوني

نبذه عن البردوني

كالكثير من أبناء جيلي، كان البردوني اسماً أخذ مكانه بجانب العَلَم والنشيد الوطني وكل مفخرة نحيط بها وطننا أو يحيطنا بها. كانت قصائده وكذا قصائد (الزبيري) و(جرادة) و(أمان) رحيق الصباح، وكانت صفحات نضالهم سماء مجد اتجهت إليها قلوبنا نستمطر منها عشق هذا الوطن.
وسواء أصحّت تفاصيل الحكاية أم لم تصح، فقد كانت قصة إلقاء البردوني لرائعته (أبو تمام وعروبة اليوم) في أحد المحافل الشعرية تتناقلها أفئدتنا قبل ألسنتنا. لعلنا أودعناها شيئًا من آمالنا وأحلامنا التي ملّت الرقاد. لم نكن نلتفت إلى عماه إلا لنمجّده؛ ففي قرارة أنفسنا كنّا على يقين أنه أشد بصراً وبصيرة منّا.
الشاعر عبد الله البردوني
لقد توحّد اليمنيون في عالم الأدب قبل أن تجمعهم السياسة؛ فهكذا ردّدنا نحن أبناء هذا الوطن المنقسم أسماء أدبائه متجاوزين كل الحدود الوهمية.
موجة صحوية
بيد أن الموجة الصحوية، هكذا سمّوها، جعلت بيني وبين البردوني هوّة لم تردمها أمجاده؛ فقد كان من عادة تلك الصحوة في أولى خطواتها تحطيم الرموز بـ(غير) حق حينا وبباطل أحيانا أخرى!
كنت حينها في بداية الثانوية وقد شغلتني معارك طه حسين ووضعه في ميزان الإستانبولي البائس، وأثناء ذلك وقع بيدي كتاب المهاجر العظيم أحمد الشامي (مع الشعر المعاصر في اليمن) فوجدته قد أسرف في الحط من البردوني، فكانت المعادلة التي يتفنّن فيها العقل (الصحوي)؛ الرافعي وشاكر مقابل طه وبقية الأعداء، وهنا يذكر البردوني بجانب طه حسين.. وهكذا انتصر هجوم السيد الشامي وأصبح البردوني عدو الله والوطن كذلك (ربما تلازمًا مع الشعار الوطني المعروف).
مرت بعدها الأيام والبردوني ينأى بوجهه حتى كدت أنسى ملامحه، ولكن بهاء هذا العملاق كان أعظم من عقوقي. عاد البردوني بوجه مضيئ لا يشبه تلك الـ(وجوه الدخانية في مرايا الليل).
عاد البردوني يرسم (طريق الفجر) ويتغنّى بأصناف الجمال (من أرض بلقيس). عاد البردوني منتصرًا يروي قصة وطن، ويأبى أن تنحني قصائده لأية سلطة.. لأنّ السلطة جعلت من محبوبته صنعاء (عاشقاها السلّ والجرب). كان البردوني مدركًا لأسباب العذاب وسفره الطويل الذي كتب على اليمنيين سلوكه:
يمانيون في المنفى
ومنفيون في اليمنِ
جنوبيون في (صنعا)
شماليون في (عدنِ)
لم يكن البردوني سليل أولئك (السادة) الذين رفعتهم القرابة (السلطوية) فوق اليمنيين، ولم يكن من (القضاة) الذين قامت الدولة على عمائمهم. نشأ البردوني ممزوجًا بالألم والعذاب، ولم يكن أمام هذا الضرير سوى أن يلتحق بالكتّاب حتى وصلت به الرحلة إلى (دار العلوم) بصنعاء.1 ولم يكن شعره سوى صورة معبرة لحياته المتقلّبة، وكراهيته للاستبداد الذي ذاق من ويلاته نصيباً من السجن إبّان حكم الإمام أحمد.
حس نقدي
لم يكن إبداع البردوني حبيس الوزن والقافية؛ بل كان ناقداً أدبياً وذا حس اجتماعي مدرك للتغيرات التي طرأت على اليمن في زمانه. اتضح حسه النقدي في كتابه (رحلة في الشعر اليمني) ودراسته لشعر الزبيري (من أول قصيدة إلى آخر طلقة).
أما معرفته الواسعة بالثقافة الشعبية المتوارثة فقد ظهرت بشكل مذهل في كتابه (فنون الأدب الشعبي في اليمن).
كتاب فنون الأدب الشعبي في اليمن
في هذا الكتاب، كان البردوني يأخذ الموروث الشعبي إلى تفسير يتجاوز القص والرصد التاريخي البارد؛ كان هنا راصدًا لهذا الموروث مسائلًا له وباحثاً عن ملامح اجتماعية تشكلت عبر العصور وظهرت عبر الحكاية أو الشعر أو الخرافة.
ولم يكن البردوني في منأى عن المشهد السياسي، وكان همه قوميًا كبقية أبناء جيله. وقد رصد بعض مقدمات الثورة وتقلباتها فيما بعد. وناقش المشهد الثقافي وعلاقته بالثورة على الإمامة في اليمن وتأثير الأخيرة على هذا المشهد.
كانت أحلامه بأن تعود السعادة إلى هذا الوطن همّاً يلمسه القارئ في شعره ونثره على السواء. لقد جعل كثيراً من قصائده قصصًا تروي مأساة اليمني مع طبيعة الدولة، ومع أسفاره العديدة بحثًا عن (سعادة) وطنه التي سُلبت.
كان شعره غزلًا بكل ما يتصل باليمن من أسماء مناطقه إلى تفاصيل تاريخه الطويل. وكان اعتزازه بالعربية وسعة اطّلاعه على الأدب العربي القديم سياجًا منيعًا أمام ترهات بعض الأجيال التي أتت بعده وأرادت تسويق الغثاء باسمه أو بمباركته. كان من إسهامات البردوني العظيمة في الشعر العربي المعاصر إثباته للمنهزمين ثقافيًا بأنّ أوزان الخليل قادرة على استيعاب الصور المبتكرة في الشعر، وأنّ التحديث في الشعر لا يعني هدم أركان العروبة. أنّ التحديث لا يعني تكرار حفنة من الكلمات لا يفقهها قائلها.
كان البردوني قصيدة لا تنتظر القافلة لتسافر بها أو يحدو بها حاديها.
كان قصيدة راحلة (في غير ما سفر) وخلف ضلوعه (تلهث العربُ).
Open Comments
Close Comments

هناك تعليق واحد